مقالات: برنامج الصائم العبادي من خطبة الرسول (ص)      •      تاريخ الطب      •      ابحث عن النجاح .. تجده      •      في خط العمل الإسلامي      •      هل أن عصرنا الحاضر يتميز بسلطة الأبناء على الآباء؟      •      مسائل وردود: ما هو السبيل لتصحيح عملية اليانصيب      •      هل عرق المُجنب من الحرام طاهر؟      •      هل يجب إقامة الحد على التائب؟      •      ما هي الامور التي هي من المنكر ؟      •      ماهو العمر الشرعي لارتداء الحجاب في المذهب السني؟      •     

» المنهج التربوي الإسلامي وصناعة الإنسان
» الكاتب: السيد محمد حسين فضل الله - قراءات [ 5004 ] - نشر في: 2009-03-15           [طباعة] [إرسال لصديق]


الهدف الإلهي من بعثة الأنبياء يتمثل في صناعة الإنسان وبنائه تربويا وروحيا بما يؤسس لمجتمع العدل العالمي، الصالح والمتآلف، والذي لا يظلم فيه إنسان إنسانا ولا يتعدى فرد على آخر ولا مجموعة على أخرى، ولذلك قال النبي (ص): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ولتحقيق هذه الغاية وضع الإسلام مجموعة من الوسائل الكفيلة بذلك، حيث نلاحظ أن منظومة العبادات الإسلامية تهدف أساسا إلى تربية الإنسان وتهذيبه ومحاصرة نزعاته العدوانية وغرائزه الجموحة.

فالعبادة ليست مجرد طقوس جوفاء ولا تهدف إلى محاصرة الإنسان بالقلق والخوف أو عزله عنه المجتمع بل تسعى إلى صناعته تربويا روحيا لينفتح على الكون برمته، وعلى الآخرين من خلال انفتاحه على الله، وليكون رحيما بكل من حوله من خلال إحساسه برحمة الله الشاملة والواسعة.

ولذلك وجدنا أن الأدعية الإسلامية وخصوصاً الأدعية المروية عن الرسول الأكرم (ص) وعن أئمة أهل البيت وخصوصا الإمام زين العابدين، مع كونها تمثل تراثا عباديا ضخما، فإنها تحمل مبادئ وتشريعات مهمة في التربية الإسلامية باعتبار أن الإسلام لم يرد للإنسان المسلم في دعائه أن يتخضع لله سبحانه فحسب، بل أن يتلمس امن خلال الدعاء منهجا تربويا قادرا على تصحيح مسيرة الإنسان في الدنيا لإعلاء رصيده في الآخرة، لأنه (الإسلام) أراد من خلال منهجية الدعاء أن يكرس الدور التربوي في عمق العبادة بما يؤسس لصياغة الشخصية الرسالية الناجحة تربويا واجتماعيا وبما يقود الإنسان نحو رفد مسيرة الخير في الدنيا وصولا إلى نيل الرضوان في الآخرة.

وقد أولى الإسلام الأهمية الكبرى للمناهج التربوية التي تتكفل بصناعة الإنسان، حيث نلاحظ المنهج التربوي الإسلامي الذي لابد أن يرتكز على فهم الإنسان أولا بكل خصوصياته وأبعاده، لأن هذا المنهج معد في الأصل لصناعة هذا الإنسان، ولابد من أن ينطلق واضعو البرامج الدينية من هذا الأساس، ومن ملاحظة الرؤية الشمولية للدين ومقاصده، بعيدا عن ملاحظة الرؤية المجتزئة التي تحدق في جانب من الصورة لتغفل الجوانب الأخرى، ما يؤدي إلى شرخ كبير في واقع الأمة المأزوم بسبب المناهج التربوية المشوهة والتجزيئية.

فالإسلام انطلق على ضوء مهج تربوي يوازن بين حركات الروح والجسد، وبين القلب والعقل وبين الدنيا والآخرة.. وأي خلل في كيفية اكتشاف هذا المنهج أو تطبيقه ينعكس في شكل سلبي على واقع الأمة الإسلامية، وبالتالي على الواقع الإنساني في شكل عام. من لابد من إعداد الكادر الملائم لوضع المناهج التربوية الذي يفهم الدين بطريقة تجعله ينظر بعين إلى النص وبالأخرى إلى الواقع، لأنه لابد لأية عملية تربوية من رصد الواقع إلى جانب وضع النظريات. ومن هنا فنحن نعتقد بأن أول خطوة إصلاحية في هذا المجال تتمثل بإبعاد العناصر المتخلفة عن دائرة إعداد المناهج وعن العمل التربوي برمته.

ولذلك فنحن في الوقت الذي رفضنا ونرفض الأسلوب التربوي لبعض الحركات الإسلامية وغيرها التي تستغرق في الجانب الروحي والغيبي على حساب الأمور الأخرى، فقد رفضنا ونرفض المدرسة المادية الغربية التي عملت على صياغة المناهج التربوية من هلال الاستغراق في الجوانب المادية للإنسان وإهمالها للجوانب الأخرى، حيث إننا نعتبر أن هذه المادية التربوية هي المسؤولة –إلى حد كبير- عن الكوارث السياسية والاجتماعية التي تصيب العالم في هذه الأيام وهي المسؤولة أيضا عن هذه الوحشية التي تجتاح العالم في قتل الإنسان للإنسان بلا رحمة ودونما وازع.

وبذلك نرى بأن العالم أصبح –في هذه الأيام- فريسة لنوعين من الوحشية، الوحشية المادية التي تغتال الإنسان لتحول البشر والحجر إلى ما يشبه حقل التجارب الذي يقتل فيه الإنسان بعيدا عن كل الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية ولا تحركها إلا المصالح المادية، والوحشية الأخرى هي تلك الوحشية المغلفة باسم الدين والتي ترفع شعاراته وتسفك الدماء باسمه بسبب اضطرابها التربوي وابتعادها عن خط التوازن الذي أكده الدين، وهي بذلك تجرم بحق الدين والمتدينين من حيث تشعر أو لا تشعر.

إن ثمة خطورة تكمن في التربية الخاطئة التي تبدأ عندنا من البيت والتي تعمل على تجميد حركة الإنسان الفكرية من خلال القمع الداخلي، حيث يمنع الأب زوجته وأولاده من التفكير وإبداء الرأي حتى بما يتصل بأمورهم الخاصة، وحتى مع كونهم يتمتعون بالمستوى الثقافي الذي يؤهلهم لإعطاء الرأي السديد، وبذلك فإننا نتربى على الخضوع للقوي من المنزل ومن بيئتنا الداخلية.

وحتى الأحزاب عندنا تفرض في أساليب عملها الحزبي تقديس الرموز الحزبية التي لا تمتلك القداسة وإن كانت تحظى بالاحترام في بعض جوانب حركتها وشخصيتها، وعندما يمنع الحزبي من توجيه الانتقاد لمراكز القوى في الحزب على أساس أن ذلك قد يعرضه للطرد أو للملاحقة، فإن التنظيم الحزبي يصبح مقفلا بطريقة وأخرى ولا تتحرك فيه التنوعات الفكرية التي تغني الخطط السياسية والاجتماعية وما إلى ذلك.

وربما يمتد هذا الخط إلى المرجعيات الدينية التي تأخذ عناوين تقديسية لا يملك أحد معها انتقاد آرائها وخطواتها التي قد تخطئ، لأن ذلك مناف للقداسة الدينية، في الوقت الذي يعرف الجميع بأن الالتزام الدينية لا يمنع المؤمن من نقد الزعامات الدينية غير المعصومة، لأن ذلك هو الذي يمنعها من الاستمرار في الخط الذي قد تكون له نتائج سلبية على مستوى القرارات المتعلقة بحياة الناس الدينية العامة.

إننا نحذّر – وفي ظل استمرار هذه البيئة التربوية والسياسية- من أننا مقبلون في المنطقة على حرائق أمنية وسياسية أكثر امتدادا، وخصوصاً في ظل اللعبة الأمريكية التي تحاول منع ولادة خيار ثالث بين ما تريده من خيار السيطرة على المنطقة بثرواتها وقرارها السياسي أم خيار تفجيرها وإشعالها بالفتن والحروب بعد الإفساح في المجال لحديث عما يشبه التقسيم أم ترك الأمور تتجه نحو ما يمكن تسميته "التقسيم الواقعي" أو التجزئة الميدانية التي تنمو في ظل أشكال من الكيانية الجامعة وغير المنضبطة.

ونحن ففي الوقت الذي نحذر من هذا المخطط بكل كوارثه ومآسيه القادمة، نريد للذين يتحركون في الميادين السياسية والشعبية أن يلتفتوا إلى بعض المواقف غير المدروسة والتي تصب الزيت على النار، سواء انتبهوا لذلك أم لم ينتبهوا، ون لا يفسحوا في المجال لخطاب التجزئة أن يتسرب إلى ساحاتهم لأننا مسؤولون جميعا –وعلى المستويات السياسية والدينية- عن حماية وحدة الأمة وصون ائتلافها الداخلي بالعمل على الم الشمل والسعي لإخراج المحتل الأجنبي من أرضنا من ذهنياتنا وصولا إلى طرده ومنعه من اختراق نسيجنا الديني والاجتماعي والوطني.

إننا نؤكد دور التربية الإسلامية في دفع الناس إلى أن يفكروا في كل الأمور منذ المراحل الأولى للعمر، وفي هذا الاتجاه لابد من التركيز على مناقشة كل الأفكار المطروحة في الساحة دينية كانت أو سياسية والابتعاد عن تقديس غير المقدس، فلا أحد في واقعنا كله فوق النقد، وهذا هو الذي يمنع من سيطرة أي فكر يثيره أصحاب المراكز المرموقة في المجتمع، ويساعد على تصحيح الأفكار الخاطئة ولاسيما أفكار العنف الدامي التي صنعت لنا فكراً يبرر قتل الإنسان على أساس اختلاف الفكر على قاعدة دينية مسلماً كان أو غير مسلم، واعتبر القتل على أساس الاختلاف جهادا مقدساً.

 
إلى أعلى إلى الخلف - Back

 

أنت الزائر رقم
59904