مقالات: غريزة حب الذات وكيفية التعامل معها (2)      •      رسالة المسجد      •      المنهج التربوي الإسلامي وصناعة الإنسان      •      ابتزاز الفتيات و دور العائلة      •      الشباب في القرآن الكريم      •      مسائل وردود: هل يعد استنشاق هواء عادم السيارة مفطر؟      •      هل يجوز أخذ الخيرة للطلاق؟      •      الجهل ببعض العقائد بسبب عدم وضوح الأدلة      •      بعد تشخيص الفقيه واستنباط الحكم؛ هل للمكلفين المقلدين له عدم العمل بالفتوى      •      هل يجوز تحديد جنس المولود ؟      •     

» الأخلاق عند الإمام الصادق (ع) (2)
» الكاتب: آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين (قدس سره) - قراءات [ 3877 ] - نشر في: 2009-08-10           [طباعة] [إرسال لصديق]


"السعادة سبب خير بتمسك به السعيد فيجره إلى النجاة"

الإمام الصادق (ع)

السعادة والخير

يستطيع الكائن الحي أن يصدر من الأعمال ما يعاكس بها نظام الجذب العام، والجماد والنبات لا يقدران على ذلك، يستطيع الحيوان أن يتسلق الجبل مثلاً، وأن يتنقل حيث تقوده الرغبات وتسوقه المطامع. وماء البحر لا يستطيع ذلك من نفسه، ولا يفعله إلا حين يكون مقسوراً، وهذا يدلنا على أن للكائن الحي قوة نفسية تميزه بهذه الخاصة عن جميع ما يشاركه في الوجود، وهذه القوة النفسية هي الإرادة، وقديماً عرف المنطقيون الكائن الحي بأنه "المتحرك بالإرادة".

وهذه القوة النفسية "الإرادة" واحدة في العدد، ونسبتها إلى جميع الأعمال التي يصدرها الحيوان نسبة متساوية، ولذلك فكان من المستحيل على الإرادة أن تتوجه إلى نقطة معينة من الأعمال إذا لم تعينها نفس ذلك الموجود الحي، ونتيجة جميع ما تقدم أن للحيوان إرادة تصدر عنها أعماله وتصرفاته، وأن لهذه الإرادة أغراضاً توجهها إلى ما تعمل والى ما تترك، وبهذا يشترك الإنسان مع جميع أفراد الحيوان.

وينفرد الإنسان عنها بأن أغراضه مسبوقة بالتعقل والتدبر، فهو الذي يستطيع أن يعلل ويتفكر، ويقارن بين الأشياء وأضدادها، ويقيس المستقبل بالحاضر فيختار الجيد من الأمور، والمثلى من الغايات، أما الحيوان فيسوقه الوهم إلى أتباع الغريزة فيما تأمر وما تحذر، وليس له وراء الغريزة والوهم قائد ولا سائق.

توجه الطبيعة غرائز الحيوان وميوله، فتتبعها إرادته تنفذ ما تأمر، وليس له اختيار كامل يمكنه أن يستقل به عن أحكام الطبيعة وميول الغريزة، والإنسان وحده هو الذي يستطيع ذلك، فهو الذي يصدر أحكامه على الغريزة، ويغير أحكام الطبيعة، ويصنع العجائب بإرادته واختياره.

وللإنسان نزعة نفسية ثابتة، وهي حب الجودة، فهو يتكلف الجيد من الأعمال ويتحرى الجيد من الغايات، وهو يحاول أن يكون سابقاً في أعماله، وأن يكون جميلاً في كل مظهر من مظاهره، ثم هو يحب المدح ويلتذ لسماعه، وهذا يدلنا على ان الغاية الأولى للإنسان هي الكمال المطلق، وان الجودة التي يتمناها لصفاته، ويتوجه إليها في جميع أعماله إنما هي مظهر من مظاهر هذا الكمال الذي تنتهي إليه جميع غاياته، وترتبط به جميع مقاصده، وإذا علمنا أن علم الأخلاق يبحث في صفات الإنسان، وأعماله وفي كيفية تهذيبها، وإرجاعها إلى التوازن فقد إتضح لنا أن غاية علم الأخلاق هي إيصال الإنسان إلى الكمال المطلق في أخلاقه وأعماله، وإذا كان هذا بنفسه تعريف السعادة على ما يقوله بعض الفلاسفة المقدمين كانت النتيجة ان غاية علم الأخلاق هي السعادة للإنسان.

"سعادة كل كائن حصوله على كماله الذي قد تهيأ له" بهذا يحددون معنى السعادة ثم يقولون في تعليله: أن الوجود على الإطلاق خير، وإذا كان الخير مما يقبل التفاضل بين أفراده، كان كمال ذلك الوجود خير ذلك الخير، وإذن فالكمال المطلق الذي يتوجه إليه الإنسان في أعماله وصفاته هو "الخير الأعلى"، وهذا هو تعريف السعادة عند أرسطوا فالتعريفان يشيران إلى معنى واحد، على أن بين السعادة والخير فرقاً من وجهة أخرى.

ويرى قوم من الفلاسفة: إن الغاية الأولى للإنسان من جميع أعماله هي اللذة وقد أخذت هذه النظرية دوراً مهماً بين الفلاسفة المحدثين، ومن أهم ما يؤخذ عليها من وجوه النقد.

(1) إن الغاية هي النتيجة التي يهدف إليها العامل ويوصل إليها العمل، ولذلك فيجب ان تكون متأخرة عن العمل في الوجود، واللذة تصاحب العمل في أكثر الأحيان وتنتهي بانتهائه، فلا يمكن ان تعتبر غاية له.

فمن يتقدم للدفاع عن وطنه، أو للجهاد عن دينه، يجد لعمله هذا لذة حين هو يدافع أو يجاهد، ولكن هذه اللذة ليست غايته، من جهاده أو دفاعه لأنها تقارنهما في الوجود، وغاية الشيء لا تقارنه، ثم هو قد يقتل، وقد يحول دون فوزه في الجهاد حائل فلا تستمر اللذة إلى ما بعد العمل فكيف تكون غاية له، وفي كثير من الأشياء تكون اللذة حين العمل أشد منها بعد انتهائه.

(2) وإن الإنسان قد يصدر أَعمالاً بدافع من غريزته قبل ان يعلم ان هذه الأعمال سارة أو مؤلمة، واللذة والألم شعوران لا يحصلان للنفس إلا بعد الاختيار والتجربة.

فالطفل حين يرتضع ثدي أمه لأول مرة، وهو حين يبكى إذا تأخر عنه الرضاع لأول مرة إنما يعمل ذلك بدافع من غريزته إلى الرضاع أو إلى البكاء، لا لأنه يجد لذة في الرضاع أو يحس بألم في الحرمان، لأنه لم يختبر ذلك بعد.

على أن الأنصاف يقتضينا ان نعتدل في الحكم على هذه النظرية بالصحة أو بالفساد، فهي ليست بمطلقها صحيحة لما قدمناه من الأدلة ولما لم نذكره منها حذراً من الإطالة، وهي ليست بمطلقها فاسدة، لأننا نجد الإنسان يصدر بعض أعماله مجرد اللذة ولا يتطلب منها غاية أخرى.

وإذن فالفعل الذي يعمله الإنسان بإرادته واختياره يكون على قسمين:

(1) أخلاقي: وهو الذي يكون مظهراً للخلق الصحيح والذي يكون صدوره بإشارة العقل وإرشاده، وهذا هو الذي يجب ان تكون غايته هي الكمال الإنساني المطلق، وإذا أعقبت هذا النوع من العمل لذة فهي شيء آخر يصحب الغاية؛ يتقدم عليها أو يقارنها في الوجود.

(2) غير أخلاقي: وهو الذي لا يعد كذلك، وفي هذا الصنف من العمل الاختياري قد تكون الغاية هي اللذة، وقد تكون الغاية هي الكمال، وقد تكون شيئاً يتوهمه الفاعل كمالا.

وسواء ثبت ان اللذة بمطلقها خير أم لم يثبت، فلا يسعنا التصديق بأن السعادة هي اللذة مادامت السعادة هي الخير الأعلى وكان أكثر اللذات مصحوباً بالألم.

لبعض الفلاسفة أن يجعل الغاية من جميع الأعمال هي اللذة، ولهم ان يختلفوا في تعيين هذه اللذة وتوصيفها، وللأستاذ أحمد أمين أن يفسر معنى السعادة "باللذة والخلو من الألم" إذا أحب أن يختار هذا التفسير على أن يكون ذلك رأياً خاصاً له في معناها، ولكن ليس له أن يجعل ذلك تفسيراً للسعادة عند جميع الفلاسفة.

نحن لا ننكر أن من الفلاسفة من يوافق الأستاذ على هذا التفسير، ولكننا ننكر عليه أن يجعله رأياً للجميع فيقول: "ويعنون بالسعادة اللذة والخلو من الألم".

السعادة هي الخير الأعلى، بهذا تعرفها الخاصة، وهذا ما تفهمه العامة من معناها أيضاً، وإذا تجدد بين الفريقين اختلاف بعد ذلك فإنما هو في تعيين أفراد الخير الأعلى، فإن الخاصة تعرف من الخير الأعلى مثالية سامية، لا تدركها عقول العامة، وللعامة في تحديده رأي قصير لا تذعن له الخاصة.

تدرك العامة من الخير الأعلى معنى بسيطاً تحدده لها أنظار بسيطة، فترى أن السعادة هي الثروة، والصحة، والرفاه، لأنها لا تعرف من الخير الأعلى غير هذا وما يشبهه، والخاصة لا ترى في ذلك ما يسمى كمالاً، ولا تعد الحصول عليه سعادة، إلا إذا كان السعادة معنى آخر.

وكمال النفس عند هؤلاء ارتقاؤها إلى المراتب العقلية الرفيعة، واستيفاء حظها من الإنسانية الكاملة وبين هاتين الطائفتين طبقات متوسطة تعرف من الكمال ومن الخير الأعلى غير ما يعرفه هؤلاء جميعاً فتكون السعادة عندهم شيئاً آخر.

أما الإمام الصادق (ع) فيقول: "دعامة الإنسان العقل ـ وبالعقل يكمل" ويقول: "اليقين يوصل العبد إلى كل حال سني ومقام عجيب" ويقول: "أن الإيمان أفضل من الإسلام وإن اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعز اليقين" ويقول "إِن الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في الشك والسخط".

وهذا الرأي هو الذي يقرره المثاليون من الفلاسفة فهم يقولون: الكمال رقي النفس في مراتبها العقلية، والإمام يقول (الروح والراحة في اليقين) واليقين أعلى مراتب الحكمة والإنسانية الكاملة التي يقولون بها هي الإيمان الكامل الذي جعله أفضل من الإسلام ومن مطلق الإيمان ولعلك تلمس من لفظ الروح في قوله؛ معنى اللذة في قولهم؛ لأنه يقابله بالهم والحزن وإذن فالكمال في الرأيين بمعنى واحد وحصول ذلك الكمال للإنسان هو الخير الأعلى أو السعادة. وقد يكون هذا معنى النجاة في قوله (السعادة سبب خير يتمسك به السعيد فيجره إلى النجاة) وإذا أردت ما هو أكثر صراحة في ذلك فهو يقول (إذا منّ الله على العبد جمع له الرغبة في المعروف والقدرة والإذن فهنالك تمت السعادة والكرامة).

للإيمان في رأي الإمام الصادق طرفان: اعتقاد وعمل. ومرتبة اليقين هذه تأخذ بالاعتقاد إلى حد الكمال وتبسط على العمل فضيلة التوازن وبذلك يحصل الإيمان الكامل الذي هو أفضل من الإسلام ومن مطلق الإيمان، وتتم السعادة والكرامة.

ويقول الإمام أيضاً (لا ينبغي لمن لم يكن عالماً أن يعد سعيداً) وكيف ينال السعادة من حرم كمال العلم، وكيف تحصل الإنسانية الكاملة لمن يقوده الجهل.

الخير

علمنا أن كل تصرف يصدره الإنسان باختياره فهو مسبوق بالتفكير في نتائجه وبالموازنة بين الجهات المرجحة لفعله ولتركه. وإذن فهنا أشياء نشتاق إليها في نفوسنا ونتوسل إلى تحصيلها بأعمالنا ونعد الفعل الذي يوصلنا إليها راجحاً. وهنا أشياء أخرى ننفر منها بمقتضى طباعنا ونجتنب العمل الذي يؤدي بنا إليها ونعده مرجوحا. وقد أطلق الخلقيون على الأشياء الأولى كلمة الخير وعلى الأشياء الثانية كلمة الشر وهم يحكمون على العمل بأنه خير أو شر بملاحظة ما ينتجه من الجهات المذكورة، وإن اختلفوا في موازين الخير والشر والمقاييس التي تقاس بها الأشياء ليعلم أنها خير أو شر وقد يوجهنا البحث إلى هذه الناحية فيما يأتي:

(الخير هو موضوع جميع الآمال) هكذا يقول أرسطو في تعريف الخير. ويقول فيلسوف آخر "الخير ما يتشوقه الجميع" ويقول ثالث "هو ما يقصده الجميع في أعمالهم" وبين هذه التعاريف فروق واضحة إلا أنها تجتمع على الجهة التي ذكرناها.

ولفظ الخير عند الخلقيين القدماء يحكي معنيين متناسبين وللتفرقة بينهما يصفون أحدهما بالخير المطلق والثاني بالخير المضاف، والتعاريف المتقدمة تحدد الخير بمعناه الأول.

والخير المضاف هو كل وسيلة توصلنا إلى الخير المطلق والفارق بينهما هو الفارق بين الوسيلة والغاية، أو بين الغرض الأدنى والغرض الأقصى.

قد توصلنا الغالية إلى غاية أخرى أسمى منها فتكون الغاية الأولى خيراً مضافاً لأنها أوصلتنا إلى الخير المطلق ولنا أن نعتبرها خيراً مطلقاً أيضاً لأنها غاية بعثنا إليها الشوق وتوسلنا إلى حصولها بالعمل.

والإمام الصادق (ع) يذكر المعنى الأول من الخير فيقول: "جعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا". ويقول "السعادة سبب خير يتمسك به السعيد فيجره إلى النجاة". ويذكر المعنى الثاني فيقول "إذا أردت شيئاً من الخير فلا تؤخره" ويقول: "افتتحوا نهاركم بخير، وأملوا على حفظتكم في أوله خيراً وفي آخره خيراً" ويقول: "أحسن من الصدق قائله وخير من الخير فاعله".

 
إلى أعلى إلى الخلف - Back

 

أنت الزائر رقم
59423